منتدى محراب النور الثقافي

أهلاً و سهلا بكم في منتدى محراب النور الثقافي
نرجو منكم التسجيل في منتدانا و المشاركة
و لكم جزيل الشكر و التقدير

الادارة
منتدى محراب النور الثقافي

--------- ملتقى شبابي ثقافي ---------


    علم الحساب عند الإمام علي ( عليه السلام )

    شاطر
    avatar
    5adem 3li

    عدد المساهمات : 190
    تاريخ التسجيل : 15/11/2011
    العمر : 31
    الموقع : لبنان

    علم الحساب عند الإمام علي ( عليه السلام )

    مُساهمة من طرف 5adem 3li في 13/2/2012, 7:33 pm



    مقدمة :

    ليس غريباً أن يكون الإمام علي عالماً متمكّناً في العلوم الفقهية واللغوية وأوّليات علم الحساب التي تخص عمليات توزيع الإرث ، وتحصيل الزكاة ، وحل بعض المسائل الحسابية المتضمّنة كسوراً ، وهو الذي تربّى في أحضان النبوّة ونهل علمه منها ، حيث يقول الرسول الكريم محمّد ( صلى الله عليه وآله ) : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت بابه ) (1) .

    وفي هذا المقام يقول عباس محمود العقّاد : فقلَّ أن سمعنا بعلم من العلوم الإسلامية أو العلوم القديمة لم ينسب إليه ـ أي للإمام علي ـ وقَلّ أن تحدّث الناس بفضل لم ينحلوه إيّاه ، وقلّ أن يوجّه الثناء بالعلم إلى أحد من الأوائل إلاّ كانت له مساهمة فيه (2) .

    ويقول أيضاً : تبقى له ـ للإمام علي ـ الهداية الأولى في التوحيد الإسلامي والقضاء الإسلامي والفقه الإسلامي ، وعلم النحو العربي وفن الكتابة العربية ، ممّا يجوز لنا أن نسمّيه أساساً صالحاً لموسوعة المعارف الإسلامية في العصور ، أو يجوز لنا أن نسمّيه موسوعة المعارف الإسلامية كلّها في الصدر الأوّل في الإسلام ، وتبقى له مع هذا فرائد الحكمة التي تسجّل له في ثقافة الأمّة الإسلامية على تباين العصور(3) .

    وهنا نحب أن نشير أنّه حتّى أبي العلاء المعرّي يقول عن الإمام علي ( عليه السلام ) :

    وعلى الأفق في دماء الشهيدين ** علي ونجله شاهدان

    فهما في أواخر الزمان فجران ** وفي أولياته شـفقان (4)

    وإضافة إلى ما يمتلكه الإمام علي ( عليه السلام ) من علم ونفاذ بصيرته فإنّه ما فتئ يحثّ على طلب العلم ويذكر أهمّيته ، فيقول على سبيل المثال : ( تعلّم العلم فإنّه إن كنت غنياً زانك ، وإن كنت فقيراً صانك ، ثروة العلم تنجي وتبقى ، وثروة المال تهلك وتفنى ، ثروة العاقل في علمه وثروة الجاهل في ماله ) ، ويقول أيضاً : ( كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتسع به ) (5) .

    وسنحاول في هذه الدراسة أن نبيّن مآثر الإمام علي ( عليه السلام ) وبراعته في علم الحساب من خلال النظر في ثلاثة أعمال هامّة له وهي : نهج البلاغة ، والمسائل الحسابية التي حلّها بسرعة ودقّة تامّة ، والشعر المنسوب إليه .

    أوّلاً : نهج البلاغة :

    إنّ خطب الإمام ورسائله ووصاياه التي وردت في نهج البلاغة تعجّ بمفاهيم حسابية كالأعداد والكسور ، ووحدات قياس الطول وتعبيرات رياضية ، وفيما يلي بعضاً منها :

    الأعداد :

    لقد وردت الأعداد صغيرها وكبيرها كثيراً في نهج البلاغة ، فقد ذكر الإمام علي ( عليه السلام ) على سبيل المثال :

    الأوّل : في وصية له لابنه الحسن فيقول : ( أي بني ! إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ) (6) .

    وذكر الواحد والاثنين في وصية له ( عليه السلام ) ، وصّى بها جيشاً بعثه إلى العدو بقوله : ( ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين ، واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ، ومناكب الهضاب ، لئلاّ يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن ) (7) .

    وذكر الثلاثة والاثنتين في كلام له في توبيخ أصحابه على التباطؤ على نصرة الحق : ( يا أهل الكوفة ! منيت بكم بثلاثة واثنتين : صم ذوو أسماع ، وبكم ذوو كلام ، وعمي ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء ، تربت أيديكم ) (Cool .

    وقال ( عليه السلام ) وهو يذكر الرقم أربعة : ( من أعطي أربعاً لم يحرم أربعاً : من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة ، ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول ، ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة ، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة ) (9) .

    وفي الرقم خمسة قال ( عليه السلام ) : ( أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلاً : لا يرجون أحد منكم إلاّ ربّه ، ولا يخافن إلاّ ذنبه ، ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول : لا أعلم ، ولا يستحين أحداً إذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه ، وعليكم بالصبر فإنّ الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، ولا خير في جسد لا رأس معه ، ولا في إيمان لا صبر معه ) (10) .

    والسبعة ذكرها في كلام له في التبرؤ من الظلم : ( والله لو أعطيت الأقاليم السبعة ، بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت ) (11) .

    ومن العشرات ورد الرقم عشرة في قوله لمّا عزم على حرب الخوارج : ( مصارعهم دون النطفة ! والله لا يفلت منهم عشرة ، ولا يهلك منكم عشرة ) (12) .

    وقد ورد أيضاً ذكر العشرين والستين في خطبته وهو يحثّ على الجهاد ويذمّ القاعدين : ( لله أبوهم !! وهل أحد منهم أشد لها مراساً وأقدم فيها مقاماً منّي ؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع ) (13) .

    ومن المئات ذكر المائة في خطبة له يقول : ( لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ) (14) .

    ومن الأُلوف ذكر الألف بقوله : ( اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ! أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم ) (15) .

    وذكر القرن ( وهو مائة عام ) في خطبة الأشباح بقوله : ( ولم يخلهم بعد أن قبضه ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيته ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحمّلي ودائع رسالاته ، قرناً فقرناً ، حتّى تمّت بنبيّنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) حجّته ، وبلغ المقطع عذره ونذره ) (16) .

    الكسور :

    والكسور هنا كالخمس والثلث والنصف ... ، فمثلاً جاء ذكر الخمس في قوله : ( إنّ القرآن أنزل على النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأموال أربعة : أموال المسلمين فقسّمها بين الورثة في الفرائض ، والفئ فقسّمه على مستحقيه ، والخمس فوضعه الله حيث وضعه ، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها) (17) .

    وقد ورد ذكر الثلث في كتاب له إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة بقوله : ( وصلوا بهم العشاء حيث يتوارى الشفق إلى ثلث الليل ) (18) .

    وجاء ذكر الكسر تسعة أعشار بقوله : ( بلادكم أنتن بلاد الله أقربها من الماء وأبعدها من السماء ، وبها تسعة أعشار الشر ) (19) .

    والنصف جاء في قوله ( عليه السلام ) : ( الهمّ نصف الهرم ) (20) .

    وحدات قياس الطول :

    وتقيس هذه الوحدات الأبعاد الصغيرة ، كالإصبع والشبر والباع الخ ، كما تقيس الأبعاد الكبيرة كالفرسخ مثلاً .

    فقد ورد الإصبع في جواب له عندما سئل ( عليه السلام ) عمّا بين الحق والباطل فقال : ( مسافة أربع أصابع ، الحق أن تقول : رأيت بعيني ، والباطل أن تقول : سمعت بأذني ) (21) .

    والشبر جاء ذكره في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، عامله على البصرة ، بقوله : ( فو الله ما كنزت في دنياكم تبراً ، ولا ادخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددّت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حزت من أرضها شبراً ) (22) .

    والشبر كما جاء في لسان العرب هو ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر (23) ( إذا فتحتهما ) .

    كما ذكر الفرسخ في كتاب له إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة بقوله : ( وصلّوا بهم العصر والشمس بيضاء حيّة في عضو من النهار ، حين يسار فيها فرسخان ) (24) .

    والفرسخ كلمة فارسية ويقول عنها ابن منظور في لسان العرب : إنّ الفرسخ : السكون من المسافة المعلومة في الأرض مأخوذ منه ، والفرسخ ثلاثة أميال أو ستة ، سمّي بذلك لأنّ صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنّه سكن ، وهو واحد الفراسخ ، فارسي معرّب والفرسخ ساعة من النهار (25) ، والفرسخ يساوي ثلاثة أميال أو ستة آلاف متر (26) .

    تعبيرات متّصلة بالرياضيات :

    ورد العديد من المصطلحات والتعبيرات تتّصل بالرياضيات في خطب الإمام وكلامه ، كالطول والعرض والعدد والقسمة والمضاعف والذرّة والنهاية والإحصاء والبرهان والفئة والمسافة والحساب وغيرها ، وسنذكر بعضاً منها :

    ففي كلام للإمام يوصي فيه أصحابه ، ذكر فيه تعبيرات مثل : الطول ، أطول ، أعرض ، أعلى ، حيث يقول : ( والجبال ذات الطول المنصوبة ، فلا أطول ، ولا أعرض ، ولا أعلى ولا أعظم منها ، ولو امتنع شيء بطول ، أو عرض ، أو قوّة أو عز لامتنعن ) (27) .

    وورد تعبير القسمة في مواضيع كثيرة ، مثلاً جاء في خطبة له في صفة خلق بعض الحيوانات : ( وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها وعدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جد وبها ، وهنا تعديد القسم إحصاء ما قدر منها لكل بقعة ) (28) .

    وجاء ذكر المضاعف بأشكال مختلفة كالمضاعفات ، وأضعاف ، ومضاعفة ، ومضاعف الخ ، ففي خطبة له بصفّين يقول : ( ولكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه ، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب ، تفضّلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله ) (29) .

    والذرّة ذكرها في خطبة الأشباح بقوله : ( ورجع كل كلمة ، وتحريك كل شفة ، ومستقر كل نسمة ، ومثقال كل ذرّة ، وهماهم كل نفس هامّة ) (30) .

    كما ذكر النهاية في خطبة له حول صفة خلق بعض الحيوانات بقوله : ( وإليها حاكمها ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيماً ، ولا بذي عظم تناهت به الغايات فعظّمته تجسيداً ، بل كبر شأنا ، وعظم سلطانا ) (31) .

    وبمقابل النهاية ذكر اللانهاية ، وهذه تأتي بمعان عديدة مثلاً ، بلا عدد ، لا يحصى ، التعداد الكثير ، الأزل الخ .

    فقد ورد تعبير لا بعدد في الخطبة السابقة بقوله : ( مستشهد الأشياء على أزليته ، وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه ، واحد لا بعدد ، ودائم لا بأمد وقائم لا بعمد ) (32) .

    وجاء تعبير لا يحصى في كلامه لمّا عزم على لقاء القوم بصفّين : ( ورب هذه الأرض التي جعلتها قراراً للأنام ، ومدرجاً للهوام والأنعام ، وما يحصى ممّا يرى وما لا يرى ) (33) .

    أمّا التعداد الكثير الذي يعنى اللانهاية ، فقد جاء ذكره في خطبة الأشباح أيضاً بقوله : ( اللّهم ! أنت أهل الوصف الجميل ، والتعداد الكثير ، إن تؤمل فخير مؤمل ، وإن ترج فأكرم مرجو ) (34) .

    ثانياً ـ مسائل حسابية :

    من الأدلّة الأُخرى على عبقرية الإمام علي ( عليه السلام ) ، هي حلّه لمسائل حسابية معقدّة بسرعة ودقّة ، ولا عجب في ذلك فهو الذي يقول على ملأ من الناس : ( سلوني قبل أن تفقدوني ) (35) .

    وفي هذا المقام يقول عباس محمود العقّاد عن الإمام ( عليه السلام ) : وفي أخباره ممّا يدل على علمه بأدوات الفقه كعلمه بنصوصه وأحكامه ، ومن هذه الأدوات علم الحساب الذي كانت معرفته به أكثر من معرفة فقيه يتصرّف في معضلة المواريث ، لأنّه كان سريع الفطنة إلى حيله التي كانت تعدّ في ذلك الزمن ألغازاً تكدّ في حلها العقول (36) .

    وسنذكر بعض المسائل المشهورة التي قام بحلّها ، ممّا يدل على تضلّعه بعلم الحساب آنذاك ، ومن هذه المسائل المسألة المنبرية ، والمسألة الدينارية ، وقصّة الأرغفة وغيرها .

    المسألة المنبرية :

    وخلاصة هذه المسألة (37) : أنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) سُئل وهو على المنبر عن ميّت ترك بنتين وأبوين وزوجة ، فأجاب من فوره : ( صار ثمنها تسعاً ) ، وسمّيت هذه المسألة بالمسألة المنبرية لأنّه أفتى بها وهو على منبر الكوفة .

    والفريضة هنا ( أي المال الذي تركه الميت ) هي أربعة وعشرون ، للزوجة ثمنها ( أي ثلاثة ) ، وللأبوين ثلثها ( أي ثمانية ) ، وللبنتين الثلثان ( أي ستة عشر ) .

    فضاق المال عن السهام ( أي نقص المال عن الحصص المفروضة ) ، لأنّ الثلث والثلثين تم بهما المال ، فمن أين يؤخذ الثمن ؟ فإذا جمعنا الثلاثة والثمانية وأنقصناها من المال لكان الباقي ثلاثة عشر للبنتين نقص من سهمهما ثلاثة ، ويبدو أنّ ثمّة حلّين لهذه المسألة .

    وهي إمّا استخدام العول أو عدم استخدامه ـ والعول هنا كما جاء في مختار الصحاح ـ عالت الفريضة ، ارتفعت وهو أن تزيد سهاماً فيدخل النقصان على أهل الفرائض (38) .

    فالعول هو إدخال النقص عند ضيق المال عن السهام المفروضة على جميع الورثة بنسبة سهامهم ، لهذا فإنّ النقص هنا هو ثلاثة ، فيدخل على الجميع فيزاد على الأربعة والعشرين ثلاثة تصير سبعة وعشرين للزوجة منها ثلاثة ، وللأبوين ثمانية ، وللبنتين ستة عشر ، والثلاثة هي تسع السبع والعشرين ، فهذا معنى قوله : ( صار ثمنها تسعاً ) .

    وإمّا من نفى العول قال : أنّ النقص يدخل على البنتين (39) .

    المسألة الدينارية :

    يقال : إنّ امرأة جاءت إلى الإمام ، وشكت إليه أنّ أخاها مات عن ستمائة دينار ، ولم يقسّم لها من ميراثه غير دينار واحد ، فقال لها : ( لعلّه ترك زوجة وابنتين ، وأمّاً واثني عشر أخاً وأنت ) ؟ فكان كما قال .

    وهنا تتجلّى قوّة علمه وحدسه ، فبمجرد أن علم بحصّتها فقد استنتج عدد أفراد العائلة ، وليس فقط ذلك ، بل العلاقة فيما بينهم وجنسهم وحصّة كل منهم ، حيث أنّ هذه المرأة كانت تتوقّع أنّ أخاها قد ظلمها ، لذا طلبت الإنصاف وأخذ حقّها ، لذلك قال لها : خلّف أخوك بنتين لهما الثلثان أربعمائة ( أي ثلثي الستمائة هو أربعمائة ) ، وخلّف أُمّاً لها السدس مائة ( أي سدسي الستمائة هو مائة ) ، وخلّف زوجة لها الثمن خمسة وسبعون ( أي ثمن الستمائة هو خمسة وسبعون ) ، وخلّف معك اثني عشر أخاً لكلِّ أخ ديناران ولكِ دينار ؟ قالت : نعم .

    فلذلك سُمّيت هذه المسألة بالدينارية (40) ، ولذلك لو جمعنا هذه الحصص لكان مجموعها ستمائة وهو المبلغ الأصلي .

    قصّة الأرغفة :

    جلس رجلان يتغذّيان ، مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة ، فلمّا وضعا الغذاء بين أيديهما مر بهما رجل ، فجلس وأكل معهما واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية ، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم ، فتنازعا بينهما وارتفعا إلى الإمام علي ( عليه السلام ) فقصّا عليه قصّتهما ، فحكم لصاحب الثلاثة أرغفة درهماً واحداً ، ولصاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم ، لأنّ الأرغفة الثمانية أربعة وعشرون ثلثاً ، لصاحب الثلاثة أرغفة منها تسعة أثلاث ( لأنّ له ثلاثة أرغفة وكل رغيف ثلاثة أثلاث فيكون المجموع تسعة أثلاث ) ، أكل منها ثمانية ( لأنّ هناك أربعة وعشرين ثلثاً أكلها الثلاثة بالتساوي ، فكل واحد منهما أكل ثمانية ) وأكل الضيف واحداً منها ، ولصاحب الخمسة أرغفة منها خمسة عشر ثلثاً ( لأنّ له خمسة أرغفة ، وكل رغيف ثلاثة أثلاث فيكون المجموع خمسة عشر ثلثاً ) أكل منها ثمانية وأكل الضيف سبعة (41) .

    أي أنّ كلاًّ من الثلاثة أكل ثمانية أثلاث ، فالأوّل أعطى للضيف ثلثاً واحداً ، والثاني أعطاه سبعة أثلاث ( والمجموع ثمانية أثلاث ) ، وبما أنّ الضيف قد دفع لهم ثمانية دراهم ، أي قيمة كل ثلث هو درهم واحد ، وأنّه قد أكل ثلثاً واحداً من الشخص الأوّل ، لذا تكون حصّة هذا الشخص درهماً واحداً ، وكذلك أكل من الثاني سبعة أثلاث لذا تكون حصّته سبعة دراهم .

    مسألة التي ولدت لستة أشهر :

    روي أنّ عمر أتى بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها ، فقال له الإمام علي ( عليه السلام ) : ( إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك ، إنّ الله تعالى يقول : ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) ، ويقول جلّ تعالى : ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) ، فإذا كانت مدّة الرضاعة حولين كاملين ( أي أربعة وعشرين شهراً ) ، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً ، فالحمل فيها ستة أشهر ) ، فخلّى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم لذلك ، فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنهم إلى يومنا هذا (42) .

    قصّة الزُبية :

    يقال : إنّه رُفع للإمام علي ( عليه السلام ) وهو باليمن زُبية ( وهي حفرة تحفر للأسد سمّيت بذلك لأنّهم كانوا يحفرونها في موضع عال ) حفرت للأسد فوقع فيها ، فوقف على شفير الزبية رجل فزلّت قدمه فتعلّق بآخر ـ وتعلّق الآخر بثالث ، وتعلّق الثالث برابع فافترسهم الأسد .

    فقضى الإمام أنّ الأوّل فريسة الأسد ، وعلى أهله ثلث الدية للثاني ، وعلى أهل الثاني ثلثا الدية للثالث ، وعلى أهل الثالث الدية الكاملة للرابع ، فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : ( لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء الله عز وجل فوق عرشه ) .

    ورويت هذه الحادثة بصور أُخرى وهي أنّ الزبية لمّا وقع فيها الأسد أصبح الناس ينظرون إليه ، ويتزاحمون ويتدافعون حول الزبية فسقط فيها رجل وتعلّق بالذي يليه ، وتعلّق الآخر بالآخر حتّى وقع فيها أربعة فقتلهم الأسد .

    فأمرهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يجمعوا دية تامّة من القبائل الذين شهدوا الزبية ، ونصف دية وثلث دية وربع دية ، فأعطى أهل الأوّل ربع دية من أجل أنّه هلك فوقه ثلاثة ، وأعطى أهل الثاني ثلث الدية من أجل أنّه هلك فوقه اثنان ، وأعطى أهل الثالث النصف من أجل أنّه هلك فوقه واحد ، وأعطى أهل الرابع الدية تامّة لأنّه لم يهلك فوقه أحد ، فأخبروا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : ( هو كما قضى ) .

    والظاهر أنّهما واقعتان ، ففي الرواية الأُولى أنّ الأوّل زلّت قدمه فوقع ولم يرمه أحد ، وفي الرواية الثانية أنّ المجتمعين تزاحموا وتدافعوا فيكون سقوط الأوّل بسببهم ولذلك اختلف الحكم فيها (43) .

    ثلاثة رجال يختصمون :

    عن شرح بديعة بن المقري أنّه جاء إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ثلاثة رجال يختصمون في سبعة عشر بعيراً ، أوّلهم يدّعي نصفها وثانيهم ثلثها ، وثالثهم تُسعها ، فاحتاروا في قسمتها ، لأنّ في ذلك سيكون كسراً ( أي جزء من بعير ) .

    فقال ( عليه السلام ) : ( أترضون أن أضع بعيراً منّي فوقها وأقسّمها بينكم ) ، قالوا : نعم ، فوضع ( عليه السلام ) بعيراً بين الجمال ، فصارت ثمانية عشر ، فأعطى الأوّل نصفها وهو تسعة ، وأعطى الثاني ثلثها وهو ستة ، وأعطى الثالث تسعها وهو اثنان وبقي بعير له (44) .

    ثالثاً ـ الشعر المنسوب للإمام ( عليه السلام ) :

    وردت تعبيرات تخص الحساب ، كالأعداد والكسور وغيرها في الشعر المنسوب للإمام ( عليه السلام ) ، سنذكر بعضاً منها : فقد جاء ذكر الألف في شعر له (45) ، حيث يقول :

    عليك بإخـوان الصـفاء فإنّهم ** عماد إذا استنجدتهم وظهور

    وليس كثيراً ألف خل وصاحب ** وإنّ عـدّواً واحـداً لكثيـر

    كما ذكر العدد سبعين ألفاً في شعر له أيضا (46) .

    لأصبحن العاصي ابن العاصي ** سبعين ألفاً عاقدي النواصي

    مجنّبيــن الخيـل بالقـلاص ** مسـتحلقين حلـق ألدلاص

    وفي حسبة العمر يقول (47) ، وقد ذكر العدد ستين والنصف والثلث :

    إذا عـاش الفتـى سـتين عامـاً ** فنصف العمر تمحقه الليالي

    ونصف النصف يذهب ليس يدري ** لغفلتـه يميـناً من شـمال

    وثلـث النصـف آمال وحـرص ** وشـغل بالمكاسب والعيال

    فحـب المرء طول العمـر جهل ** وقسـمته على هـذا المنال

    الخاتمة :

    في ضوء إجابات المسائل السابقة وغيرها ، برهان ساطع على علم الإمام المحيط وحضوره لديه فيما يجعله حجّة على الخلق في جميع العلوم والفنون ، خصوصاً إذا قسنا ذلك إلى عصر الإمام والثقافة العلمية المحدودة لناس آنذاك ، وفي ذلك يقول عباس محمود العقّاد : ولكن هذه الفنون من الثقافة ـ أو جلّها ـ إنّما تعظم بالقياس إلى عصرها والجهود التي بذلت في بدايتها (48) .

    ويقول أيضاً : وخلاصة ذلك كلّه أنّ ثقافة الإمام ( عليه السلام ) هي ثقافة العلم المفرد والقمّة العالية بين الجماهير في كل مقام .

    من ذلك يمكن القول إنّ الإمام ( عليه السلام ) يعد أوّل من عمل في علم المواريث ، كما جاءت في القرآن الكريم ، وأوّل من قام بحل المسائل الحسابية في صدر الإسلام ، كما يعد أوّل من تمكّن من الفكر الموسوعي الذي يجمع أكبر عدد من فروع المعرفة المختلفة ، ولكن من الغريب ـ حسب ما لاحظنا ـ أنّ غالبية كتب تاريخ الرياضيات لم تذكر ذلك ، وهذا أمر يوسف له ، لذلك لابد من إجراء المزيد من البحوث والدراسات لهذه الحقبة الهامّة من التاريخ الإسلامي .

    الهوامش :

    1ـ عز الدين ابن الأثير الجوزي ( 1994 ) ، أسد الغابة 4 : 95 ، تحقيق علي محمّد عوض ، بيروت ، دار الكتب العلمية .

    2ـ عباس محمود العقّاد ( 1967 ) عبقرية الإمام علي : 190 ، بيروت ، دار الكتاب العربي .

    3ـ المصدر السابق : 194 .

    4ـ المصدر السابق : 6 .

    5ـ علي بن أبي طالب ( 1993 ) نهج البلاغة ، شرح محمّد عبده 4 / 671 ،بيروت ، مؤسّسة الأعلمي .

    6ـ المصدر السابق 529 .

    7ـ المصدر السابق 501 .

    8ـ المصدر السابق 217 .

    9ـ المصدر السابق 657 .

    10ـ المصدر السابق : 643 .

    11ـ المصدر السابق : 468 .

    12ـ المصدر السابق : 132 .

    13ـ المصدر السابق : 92 .

    14ـ المصدر السابق : 210 .

    15ـ المصدر السابق : 87 .

    16ـ المصدر السابق : 204 .

    17ـ المصدر السابق : 688 .

    18ـ المصدر السابق : 571 .

    19ـ المصدر السابق : 66 .

    20ـ المصدر السابق : 658 .

    21ـ محسن الأمين ( 1947 ) أعيان الشيعة 3 / 33 ، دمشق ، مطبعة الإتقان .

    22ـ نهج البلاغة : 559 .

    23ـ ابن منظور ، لسان العرب 4 / 391 ، بيروت ، دار صادر .

    24ـ نهج البلاغة : 570 .

    25ـ ابن منظور ، لسان العرب 3 / 44 .

    26ـ جلال شوقي ( 1985 ) من تراثنا المنظوم في الرياضيات ، المجلة العربية للعلوم ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، تونس : 94 .

    27ـ نهج البلاغة : 432 .

    28ـ المصدر السابق : 378 .

    29ـ المصدر السابق : 450 .

    30ـ المصدر السابق : 207 .

    31ـ المصدر السابق : 375 .

    32ـ المصدر السابق : 375 .

    33ـ المصدر السابق : 345 .

    34ـ المصدر السابق : 208 .

    35ـ محسن الأمين ، أعيان الشيعة ، مصدر سابق : 33 .

    36ـ عباس محمود العقّاد ، مصدر سابق : 196 .

    37ـ محسن الأمين ، أعيان الشيعة 1 / 242 ، بيروت ، دار التعارف .

    38ـ محمّد بن أبي بكر الرازي ( 1984 ) مختار الصحاح : 463 ، دمشق ، مؤسسة علوم القرآن .

    39ـ عباس محمود العقّاد ، مصدر سابق : 196 .

    40ـ محسن الأمين ، أعيان الشيعة 1 / 343 ، بيروت ، دار التعارف .

    41ـ المصدر السابق : 343 .

    42ـ المصدر السابق : 343 .

    43ـ المصدر السابق : 411 .

    44ـ حسين علي الشفائي ( 1990 ) الحق المبين في قضاء أمير المؤمنين : 115 ، دمشق ، دار كرم .

    45ـ أحمد تيمور ، مصدر سابق : 28 .

    46ـ أحمد تيمور ، مصدر سابق : 37 .

    47ـ عبد العزيز سيّد الأهل ( 1980 ) من الشعر المنسوب إلى الإمام الوصي علي بن أبي طالب : 111 ، ط 2 ، بيروت ، دار صادر .

    48ـ عباس محمود العقّاد : 210 .


    -----------------------------------------------------------------------
    ■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■
    █▓▒░►اذا أحببـــــــت يومــــــــاً كُــــــــن علـــى قَـــــدْرِ المَســـؤوليــــةِ ◄░▒▓█
    ■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■

      الوقت/التاريخ الآن هو 26/4/2018, 12:01 pm